الاثنين، 2 يناير، 2012

الفيس بوك مرآة المجتمع


الحساب علي الفيس بوك هو حياة إفتراضية ولكنها ليست وهمية , مثلما صورتنا في المرآة هي صورة مفترضة لنا , هي صورة حقيقية ولكن ليست أصل , هي صورة تعكس حقيقتنا ولكنها (تعكس) ولا تطابق ففي  المرآة  يكون اليسار يمين واليمين يسار .هذه ملاحظات لاحظتها من مرأة الفيس بوك.


جمهور وليس أصدقاء :
يوجد الكثير لديهم أصدقاء علي الفيس بوك بعدد غير طبيعي قد يصل إلي 1000 صديق .وكثيراً ما يطلب شخص إضافتي كصديق , وعندما أرسل له رسالة أطلب فيها تذكيري بشخصه أو بسبب طلب الصداقة فأنه لا يرد حتي علي الرسالة .
إتفضل :
يقوم أغلبية الأصدقاء علي الفيس بوك بعمل لايك أو كتابة تعليق علي أي موضوع كنوع من المجاملة وليس لأن الموضوع أعجبه أو لأنه يريد التعليق فعلاً . والمصريين يشتهرون بالمجاملة الفجة الفاقدة للمعني , كأن يدعوك شخص أثناء سيرك ويقول لك (إتفضل) حيث لا يسمح المكان ولا الزمان بأنك (تتفضل) , لدرجة أنه يوجد أصدقاء لي قد أعتبروا عدم عمل لايك أو كتابة تعليق لمواضيعهم لفترة طويلة هو نوع من التكبر وعدم الإهتمام وقلة الذوق تجاههم.
كوبي وبست أو الموضة :
أغلب الأصدقاء علي الفيس بوك مواضيعهم هي نسخ (كوبي) ولصق (بست) لمواضيع أشخاص أخرين أو مشاهير . ولا يحاولون حتي أن يكتبوا رأيهم أو رؤيتهم في الموضوع كبشر , وإذا كتبوا يكتبون ما يجب أن يكتب رسمياً وإجتماعياً وليس ما يدور بداخلهم . هم إنحضروا بالكتابة لمستوي الملابس يجب أن تساير الموضة وتكون متسقة مع الزوق العام.
ضعاف النفوس :
يقوم بعض الأصدقاء بنقل مقولة أو حكمة أو تأمل ...الخ , وتكون أغلب التعليقات مديح في هذا الصديق الذي أخرج هذه الحكمة وأظهر هذا الذكاء والبلاغة , وبدلاً من أن يعترف الصديق بأنه نقل هذا الكلام , فأنه يقوم بتواضع مصطنع بالرد علي التعليقات بكلمات من قبيل (شكراً يا عسل – إحنا بنتعلم منك يا كبير – من بعض ما عندكم - ...الخ) . ولكن يوجد البعض الأمين الذي يكتب في نهاية الموضوع ما يشير لأنه منقول أو بخفة الدم المصرية المعتادة يكتب أنه مسروق.
السطحية :
إذا كتب شخص أو عرض موضوع يدعوا للتأمل أو التفكير الفعلي والحقيقي فأنه في الأغلب تكون المشاركات من باقي الأصدقاء ضعيفة أو منعدمة , وإذا كان الموضوع كوميدي أو سخيف أو له دلالة دينية جدلية أو دلالة جنسية فعندها تنفتح حنفية المشاركات لوسعها وتجد أن السلبية وعدم الإهتمام قد إنقلب لإيجابية وإهتمام.
صلاة الفيس بوك :
أغلب المشاركات والمواضيع يكون لها إتجاهات عامة وليست شخصية مثل كورة القدم أو الأغاني ولكن ملك المشاركات دون منازع هو الدين , يقوم أغلب الأصدقاء بنشر المواضيع الدينية والأيات والترانيم والأدعية والقرأن والقداسات كأنها فرض يومي يجب القيام به مثل الصلاة. يتم نشر هذه المواضيع بالعادة لا إرادياً لأن النظام والعرف الإجتماعي علي الفيس بوك كده.
المبالغة والفجاجة :
المبالغة في الألفاظ والفجاجة فيتم كتابة عناوين مثل (شوف الفيديو ده مش هتصدق عينيك – لو شفت الفيديو ده لازم هتعمله لايك – شوف الفيديو الرهيب ده – أتفرج علي فضيحة فلان – أسمع الرد القنبلة لفلان علي فلان ....الخ). والأغلب لما نقرأ ونتفرج ونسمع لا بنكدب عنينا ولا بنعمل لايك ولا بيكون رهيب ولا فضيحة ولا قنبلة , ولكن المبالغة سمة العقل السطحي.
النقاب :
يوجد أصدقاء علي الفيس بوك منقبين لا يضعون صورتهم ولا أي صورة خاصة بهم , ويسمون أنفسهم بأسماء مستعارة. الغريب أن أغلبهم يهاجمون النقاب في الحياة الحقيقية ويرتدوه في الحياة الإفتراضية.
الجمهور عايز كده :
هذه أكثر ملحوظة محزنة ومحبطة في كل ما سبق وهي أنه يوجد أصدقاء لهم من الثقافة والعقل المنظم والشخصية المقنعة ما يجعلهم قادة علي مستوي الإصدقاء علي الفيس بوك وبدلاً من أن يقدروا حجم المسئولية ويقودوا أخوانهم وأصدقائهم إلي الفكر الحر المستنير وإلي السمو والإستقلالية , نجدهم تنازلوا عن كل ذلك وأصبحوا يهتمون بالنشر والتعليق علي ما يقود الناس للجهل والتعمية وزيادة الفشل . فمثلاً من أصدقائي الأقباط من يقومون في أغلب موضوعاتهم بنشر الأخبار الخاصة بالسلفيين والأخوان ونوادرهم وتصريحاتهم الغبية المتطرفة , وهم محقون في أغلب ما ينشرون ولكن السؤال الذي لا أجد إجابة عليه هو : ما الهدف من كل ذلك ؟ هل الأقباط أصبحوا ينتمون للجماعات الإسلامية بكثرة وبالتالي هم يقاومون هذه الظاهرة ! هل أغلب أصدقائهم من المسلمين فبالتالي هم يدعونهم لأن يروا الوجه الحقيقي لهذه الجماعات ؟ (أغلب أصدقائهم علي الفيس من الأقباط) , هل أنتهت مشاكل وعيوب الأقباط بحيث لم يجدوا إلا مشاكل وعيوب الإسلاميين ؟ (الحقيقة أنهم يحاولوا قدر الإمكان تجنب الحديث عن عيوب الأقباط , بل ويحسوا بالضيق من من يكشفها). الإجابة الحقيقية علي هذه الأسئلة والتي يهرب ضميرهم منها هي أنهم لا يقومون بما هو حق بل يقومون بما يريده الأصدقاء , هم يريدون دغدغة مشاعر الأصدقاء (وخصوصا الدينية) , يريدون أن يبسطوهم ويريحوهم لكي تدوم لهم الريادة والأفضلية الكاذبة , للأسف هم مثل الراقصة التي تتعري لأن الجمهور عايز كده.
الخلاصة :
الفيس بوك مرآة للمجتمع والنظر للمرآة يحتاج لوجود البصيرة ولوجود الرغبة في الرؤية , إذا نظرنا لصورتنا في هذه  المرآة نجد أن الإنسان المصري قد أغترب عن نفسه وإستبدل حريته وإستقلاليته كإنسان بالقطيع وذابت شخصيته في المجتمع , أصبح فرد في الجماعة وغير موجود كشخص متفرد مميز عن غيره , له بصمة في أصابعه وليس له بصمة في كيانه , أصبح عبد للتصنع وعاش أغلب حياته ممثل لجمهور من المجتمع المحيط. أصبح مهرج في سيرك المجتمع , كل ما يهمه إنتزاع ضحك وإنتباه المتفرجين ولو علي حساب شخصيته وكرامته الإنسانية وتميزه . فقد التمييز بين الصواب والخطأ , سلم قيادته للمجتمع بدلاً من أن يقوده ضميره. أصبح عبد للمجتمع وليس سيد بالحق.يموت قبل أوانه.